هل يحل بيع الأصول أزمة الدين العام؟


هل يمكن استخدام ملكية الدولة للأصول في إعادة ترتيب هيكل الدين العام وخفض تكلفته بدلًا من بيعها وتحويل قيمتها إلى سيولة؟

عاد السؤال إلى الواجهة بعد طرح رجل الأعمال حسن هيكل ما سماه “المقايضة الكبرى”، والتي تقوم فكرتها على نقل بعض الأصول المملوكة لوزارة المالية إلى البنك المركزي مقابل نقل ما يعادل قيمتها من مديونية وزارة المالية، بما يستهدف، وفق الطرح، تخفيف أعباء خدمة الدين.

جاء مقترح هيكل عقب تسوية مديونية تاريخية للهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، تضمنت نقل 44 أصلًا غير مستغل بقيمة 18.06 مليار جنيه، ضمن تسوية مديونية بلغت 88.3 مليار جنيه، مع إعفاء الهيئة من 51.4 مليار جنيه فوائد وغرامات تأخير.

اقرأ أيضًا:

حسن هيكل ردًا على بيان الحكومة: لو قناة السويس فيها حساسية ممكن يتم مقايضة أصول أخرى

أزمة الدين ليست في الرصيد فقط

تكمن صعوبة وضع الدين المصري في أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم المديونية، وإنما أيضًا بتكلفة تمويلها وحجم ما تحتاجه الدولة سنويًا لإعادة التمويل.

وحسب أحدث بيانات البنك المركزي المتاحة، بلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر نحو 164.8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقابل 163.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، وكانت الحكومة صاحبة النصيب الأكبر من الدين الخارجي، بنحو 81.8 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025.

وخلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، سددت مصر نحو 15.995 مليار دولار في صورة أقساط وفوائد على الدين الخارجي، منها نحو 12.24 مليار دولار أقساط و3.75 مليار دولار فوائد وفق بيانات البنك المركزي.

لكن الدين الخارجي لا يمثل سوى جانب من الصورة، فالضغط الأكبر على المالية العامة يرتبط أيضًا بالدين المحلي، وخصوصًا آجال استحقاقه وتكلفة الاقتراض وإعادة التمويل.

ويضع صندوق النقد الدولي خفض إجمالي الاحتياجات التمويلية في إستراتيجية خفض الدين، مشيرًا إلى أن مدفوعات الفائدة تستهلك نحو 73% من الإيرادات الحكومية.

اقرأ التالي:

صندوق النقد يرسم ملامح الاقتصاد المصري.. توقعات للنمو والتضخم والعجز الجاري

“المقايضة الكبرى”.. أين الفكرة والمشكلة؟

في تصوره، اقترح حسن هيكل نقل بعض الأصول المملوكة لوزارة المالية إلى البنك المركزي، وفي المقابل نقل ما يعادل قيمتها من مديونية وزارة المالية إلى البنك المركزي.

وشملت الأصول التي أشار إليها في طرحه ملكيات مرتبطة بالبنوك والتأمين وشركات الكهرباء وشركات إنتاجية وهيئات اقتصادية، قبل أن يثير إدراج قناة السويس جدلًا واسعًا.

وصندوق النقد يعتبر حصيلة بيع أصول الدولة أحد الأعمدة الثلاثة لإستراتيجية خفض الدين، بجانب تحقيق فوائض أولية مستدامة وإطالة آجال الدين للحد من مخاطر إعادة التمويل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تقدم برنامج التخارج كان أبطأ من المتوقع.

وحسب الصندوق، بلغت حصيلة التخارجات نحو 520 مليون دولار بعد إتمام صفقة جبل الزيت وبيع حصص في شركات مدرجة، مع تأكيد السلطات تخصيص 50% على الأقل من حصيلة التخارجات المستقبلية لخفض الدين المحلي قصير الأجل.

كما تستهدف خطة إدارة الدين خفض إجمالي الاحتياجات التمويلية بنحو 6% من الناتج المحلي خلال السنة المالية 2025/2026، وبنحو 10% تراكميًا خلال 2025/2026 و2026/2027، من خلال مجموعة من الإجراءات تشمل إطالة آجال الدين وعمليات إدارة للالتزامات واستخدام حصيلة التخارجات والاستثمارات في خفض الدين.

وكان الخبير الاقتصادي مدحت نافع قد دعا إلى التمييز بين عمليات تسوية المديونيات التاريخية بين الجهات الحكومية وبين المقترحات الرامية إلى تصفير الدين العام بالكامل.

وقال نافع إن جهود وزارة التخطيط لتسوية مديونيات تاريخية بين جهات حكومية من خلال تبادل الأصول تختلف عن المقترحات غير الموفقة بشأن تصفير الدين العام.

وأشار إلى أن مبادلة الديون بأسهم وأراض غير مستغلة كانت أداة مؤثرة في معالجة أوضاع عدد من الشركات وتعظيم الاستفادة من الأصول، بما يعني أن استخدام الأصول في تسوية مديونيات محددة ليس جديدًا، لكن تعميم النموذج على الدين العام للدولة يمثل مسألة مختلفة.

اقرأ أيضًا:

“المقايضة الكبرى” تثير الجدل.. كيف رد الخبراء والحكومة على طرح هيكل؟

قالت الدكتورة نعمة الشيشيني أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بجامعة الأزهر، إن النظر إلى بيع أصول الدولة لا ينبغي النظر إليه باعتباره حلاً مستقلاً لأزمة الدين العام، وإنما كأداة مالية يمكن أن تخفض رصيد المديونية أو تكلفة خدمتها إذا جرى توظيف حصيلتها في إطفاء ديون مرتفعة التكلفة، وبشرط ألا يؤدي البيع إلى خسارة الدولة لتدفقات نقدية مستقبلية تفوق الوفر المحقق من خفض الدين.

وأوضحت لـ”مصراوي” المعادلة الأساسية في الأزمة المصرية تتكشف عن فارق مهم بين رصيد الدين والتدفق المولد له، فبيع أصل بمليارات الجنيهات قد يخفض حجم الدين في لحظة، لكنه لا يمنع عودته إلى الارتفاع إذا استمر العجز المالي والاحتياج إلى الاقتراض وإعادة تمويل الديون القائمة.

وذكرت أن أهمية هذه النقطة عندما يكون الأصل المباع مُدرًا للدخل؛ فالدولة لا تحصل فقط على ثمن البيع، وإنما تتنازل في المقابل عن عوائد مستقبلية.

وحسب الشيشيني، فإن نمط الملكية وحده ليس معيار الكفاءة؛ إذ إن سوء الإدارة والحوكمة قد يحول الأصل العام إلى عبء، بينما يمكن لإدارة مهنية وشفافة أن تجعل الاحتفاظ به أكثر جدوى من بيعه، ومن هنا يصبح القرار الاقتصادي مرتبطًا بالعائد، وكفاءة الإدارة، والقيمة المستقبلية، والأهمية الاستراتيجية للأصل، وليس بمجرد كونه مملوكًا للدولة.

وترى أن أفضل استخدام للأصول في مواجهة أزمة الدين ليس “البيع من أجل الحصول على السيولة”، وإنما إدارة محفظة الأصول والخصوم باعتبارها ميزانية واحدة: بيع الأصل غير الاستراتيجي ضعيف العائد إذا كان ثمنه سيخفض دينًا مرتفع التكلفة، مع الاحتفاظ بالأصول القادرة على توليد تدفقات نقدية مستدامة، وتوجيه حصيلة التخارج إلى خفض الدين لا إلى تمويل إنفاق جارٍ يعيد إنتاج الاقتراض.

وقال محمود حجاجي عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، إن بيع أصول الدولة يمكن أن يخفض الدين، لكنه لا ينهي أزمته، فحصيلة البيع تستطيع خفض رصيد المديونية وتقليل فاتورة الفوائد، خصوصًا إذا وُجهت بالكامل إلى إطفاء ديون مرتفعة التكلفة، لكن ذلك يظل علاجًا لمرة واحدة إذا استمرت العوامل التي تولد الدين من جديد.

وأضاف لـ”مصراوي” أن المعيار الاقتصادي الحاسم ليس قيمة الصفقة وحدها، وإنما مقارنة العائد الذي يحققه الأصل بتكلفة الدين المستهدف خفضه، فإذا كان الأصل منخفض العائد بينما تكلفة الدين مرتفعة قد يكون التخارج منطقيًا، أما بيع أصل مدر للدخل أو ذي قيمة استراتيجية مرتفعة فقد يعني استبدال فائدة مالية مستقبلية بحل نقدي مؤقت.

وأشار إلى أن الأهم أن مبادلات الدين بالأصول أو حقوق الملكية لا تُعد خفضًا حقيقيًا للدين إلا إذا أدت فعليًا إلى تقليل الالتزامات وتكلفة خدمتها والاحتياجات التمويلية المستقبلية، وليس مجرد نقل الملكية أو الدين بين جهات عامة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *