محيي الدين: أفريقيا تملك 1.5 مليار نسمة.. لكنها لا تحصد سوى 3% من اقتص


يرى محمود محيي الدين المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة 2030، أن أفريقيا تقف أمام مفارقة اقتصادية كبرى، فرغم امتلاكها ثروات طبيعية هائلة وقاعدة سكانية ضخمة وشابة، فإن نصيبها من الاقتصاد العالمي لا يزال محدودًا، بينما تواجه القارة فجوة استثمارية ضخمة وتكلفة مرتفعة لرأس المال، ما يعرقل تحويل مواردها إلى نمو وإنتاج وقيمة مضافة.

وفي تدوينة نشرها على صفحته بمنصة “Substack”، يقول محيي الدين إن أفريقيا عانت تاريخيًا من أشكال متعددة من النهب والاستغلال، بداية من الاستكشاف الأوروبي في القرن الخامس عشر، مرورًا بالثورة الصناعية والتوسع الاستعماري والسعي للحصول على المواد الخام، وصولًا إلى ما يعتبره صورًا حديثة من الاختلال تتمثل في شروط التجارة والاستثمار غير العادلة، والاقتراض المفرط والتدفقات المالية غير المشروعة.

ويشير محيي الدين إلى أن هذه الخلفية التاريخية حضرت في ذهنه خلال مشاركته في منتدى أعمال العلمين-أفريقيا الذي استضافته مدينة العلمين الجديدة، بمشاركة رؤساء دول ووزراء وقادة أعمال ومستثمرين ومؤسسات مالية ومنظمات إقليمية ودولية.

ويقول إن التحضير لمداخلته في المنتدى دفعه إلى إعادة النظر في عدد من القضايا المرتبطة بالاستثمار الأفريقي والتنمية الاقتصادية ومسار تحقيق التنمية المستدامة، معتبرًا أن القارة لا تزال بعيدة عن المسار الذي يسمح لها باستغلال إمكاناتها الحقيقية.

1.5 مليار نسمة.. لكن 3% فقط من الناتج العالمي

يلفت محيي الدين إلى أن النقاش حول أفريقيا ظل لفترات طويلة يدور حول المواد الخام والسلع الأساسية والثروات الموجودة في المناجم والمحاجر والأراضي الزراعية، بينما يرى أن رأس المال البشري هو أثمن أصول القارة وأكثرها قدرة على تغيير مستقبلها الاقتصادي.

وحسب ما أورده، يبلغ عدد سكان أفريقيا حاليًا نحو 1.5 مليار نسمة، متجاوزًا عدد سكان الهند البالغ نحو 1.45 مليار نسمة والصين البالغ نحو 1.42 مليار نسمة.

ويشير إلى أن الميزة الديموغرافية الأفريقية لا تتعلق فقط بحجم السكان، وإنما أيضًا بصغر سنهم؛ إذ يبلغ متوسط العمر في القارة نحو 19 عامًا، مقابل 28 عامًا في الهند و40 عامًا في الصين و43 عامًا في أوروبا.

لكن محيي الدين يضع هذه الميزة أمام مفارقة أكثر حدة؛ فالأفارقة يمثلون أكثر من 19% من سكان العالم، بينما لا تتجاوز مساهمة القارة نحو 3% من الناتج العالمي.

ويضيف أن حصة أفريقيا من الناتج الصناعي العالمي أقل من ذلك، فيما تظل مساهمتها في المنتجات والتكنولوجيات المتقدمة محدودة بدرجة أكبر.

ومن وجهة نظر محيي الدين، تعني هذه الفجوة أن أفريقيا تحتاج إلى زيادة إنتاجها بنحو 6 مرات حتى تصل إلى مستوى يتناسب مع وزنها السكاني في الاقتصاد العالمي.

الاستثمار في الإنسان قبل الموارد

ويرى محيي الدين أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة في رأس المال البشري، خصوصًا التعليم والتدريب والرعاية الصحية، بالتوازي مع الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا.

ويعتبر أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في توفير الأموال، وإنما في حجم الاستثمار المطلوب ونوعيته وتكلفته، وهي عناصر يرى أنها تمثل جوهر معضلة التنمية الأفريقية.

ويستشهد في هذا السياق بمعدلات النمو السابقة لجائحة كورونا، موضحًا أن متوسط النمو الاقتصادي في أفريقيا لم يتجاوز نحو 5% خلال العقدين السابقين للجائحة، مقابل نحو 9% في الصين و7% في الهند.

ويرفض محيي الدين تفسير ضعف الأداء الاقتصادي الأفريقي بالاعتماد على الصدمات الخارجية وحدها، موضحًا أن تداعيات جائحة كورونا لا يمكن أن تفسر جميع أوجه القصور، كما أن الإرث الاستعماري، رغم تأثيره، لا يكفي وحده لتفسير الوضع الحالي.

وحسب رؤيته، فإن جذور المشكلة ترتبط أيضًا باقتصادات تعاني من ضعف الإدارة، وعدم اتساق السياسات، وهشاشة المؤسسات، وعدم انضباط الأولويات.

155 مليار دولار سنويًا.. وأفريقيا تجمع 83 مليارًا فقط

ويضع محيي الدين فجوة البنية التحتية في قلب معضلة الاستثمار الأفريقي، مشيرًا إلى أن القارة تحتاج إلى ما لا يقل عن 155 مليار دولار سنويًا من الاستثمارات في البنية التحتية، بما في ذلك مشروعات الطاقة، إذا أرادت مضاعفة ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2040.

ويستند في ذلك إلى تقرير “ديناميكيات التنمية في أفريقيا 2025: البنية التحتية والنمو والتحول”، الصادر بشكل مشترك عن مفوضية الاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ويشير التقرير، وفق ما يستعرضه محيي الدين، إلى أن الاستثمارات الفعلية لم تتجاوز نحو 83 مليار دولار، بما يعني وجود فجوة سنوية تقارب 72 مليار دولار بين الاحتياجات والاستثمارات القائمة.

ويخلص محيي الدين من هذه الأرقام إلى أن أفريقيا تحتاج إلى ما يقارب ضعف حجم الاستثمارات الحالية في البنية التحتية حتى تقترب من المستوى اللازم لتحقيق أهدافها التنموية.

رأس المال الأفريقي.. أغلى من المتوسط العالمي

لكن محيي الدين يرى أن المشكلة لا تنتهي عند حجم التمويل المطلوب، فهناك عقبة أخرى تتمثل في ارتفاع تكلفة رأس المال الموجه إلى أفريقيا.

ويقول إن تكلفة رأس المال في القارة تتجاوز 13%، مقارنة بنحو 8% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ويشير إلى أن ارتفاع تكلفة التمويل يرتبط، من بين عوامل أخرى، بالمخاطر التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم المشروعات والدول الأفريقية، إلى جانب عدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول.

لكن محيي الدين يلفت في الوقت نفسه إلى أن تقييم المخاطر الأفريقية لا يزال، في بعض الحالات، أسير تصورات قديمة وافتراضات متشائمة لا تعكس بالضرورة التطورات الفعلية.

ويستند في طرحه إلى أن حالات التخلف عن سداد ديون البنية التحتية الأفريقية لا تتجاوز 2%، فضلًا عن انخفاض معدلات التخلف عن السداد بوجه عام وتحسن فرص استرداد الأموال.

ومن ثم، يرى أن ارتفاع تكلفة رأس المال لا يمكن تفسيره بالكامل بالمخاطر الفعلية، معتبرًا أن التصورات السائدة عن المخاطر الأفريقية تؤدي دورًا في زيادة تكلفة التمويل.

أفريقيا ليست سوقًا واحدة

ويحذر محيي الدين من التعامل مع أفريقيا باعتبارها كتلة اقتصادية متجانسة، موضحًا أنها تضم 54 دولة تختلف فيما بينها في فرص الاستثمار والعوائد والتكاليف والمخاطر.

ولهذا يطرح مجموعة من الأسئلة التي يرى أنها ضرورية أمام الحكومات الأفريقية إذا كانت تريد جذب مزيد من الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية.

ويتساءل محيي الدين عن طبيعة العوائق التي تواجه المستثمر عند دخول كل دولة أفريقية أو الخروج منها، ومدى قوة الأطر التنظيمية والرقابية، ومدى توافقها مع المعايير الدولية.

كما يلفت إلى أهمية تكلفة ممارسة الأعمال ومدى تنافسية بيئة الاستثمار، إلى جانب معدل النمو الحقيقي والتضخم والاستقرار الاقتصادي وقدرة كل دولة على تنويع اقتصادها.

ولا يتوقف تقييمه عند هذه العوامل؛ إذ يطرح محيي الدين أسئلة أخرى تتعلق بمرونة الأسواق وآليات التسعير، وحماية الحقوق، ومدى تطبيق سيادة القانون.

الذكاء الاصطناعي يدخل حسابات المستثمر

ويضيف محيي الدين بُعدًا جديدًا إلى معادلة الاستثمار الأفريقي، يتمثل في مدى استعداد الدول الأفريقية لعصر الذكاء الاصطناعي.

ويرى أن هذا الاستعداد لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما يعتمد على مجموعة متكاملة من العوامل تشمل رأس المال البشري والبنية التكنولوجية ومرونة سوق العمل والحوكمة.

ومن وجهة نظره، فإن القارة التي تتمتع بقاعدة سكانية شابة تملك فرصة استثنائية في هذا المجال، لكن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب استثمارات كبيرة في التعليم والتدريب والمهارات الرقمية.

15% فقط للتجارة البينية

ويرى محيي الدين أن توسيع حجم السوق الأفريقية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لجذب الاستثمار، خصوصًا من خلال زيادة التجارة بين دول القارة.

ويشير إلى أن التجارة البينية الأفريقية لا تتجاوز حاليًا نحو 15% من إجمالي تجارة القارة مع بقية العالم، وهو ما يعتبره مساحة ضخمة غير مستغلة لتوسيع الأسواق وبناء سلاسل قيمة إقليمية.

ويضع محيي الدين منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية ضمن الأطر القادرة على دعم هذا الاتجاه، لكنه يحذر من أن الاتفاقيات وحدها لن تكون كافية لتحقيق النتائج المستهدفة.

ويقول إن هذه الأطر لن تحقق النتائج المرجوة ما لم تتزامن مع خفض تكلفة النشاط الاقتصادي وتحسين القدرة التنافسية وإزالة التعقيدات الإدارية ومواجهة الفساد وتقوية المؤسسات.

من تصدير المواد الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة

ويلفت محيي الدين إلى أن أفريقيا ارتبطت طويلًا في الاقتصاد العالمي بتصدير المواد الخام والسلع الأساسية، بينما جرى تحقيق الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية في مراحل التصنيع والتحويل خارج القارة.

ومن هنا، يرى أن التحدي أمام أفريقيا لا يتمثل فقط في جذب الاستثمارات، وإنما في جذب النوع الصحيح من الاستثمارات القادر على تحويل الموارد الطبيعية إلى صناعات وسلاسل قيمة وفرص عمل وإنتاجية أعلى.

ويعتبر أن رأس المال البشري يجب أن يحتل موقع الصدارة في هذه المعادلة، لأن الثروة الطبيعية، في تقديره، لا تكفي وحدها لبناء اقتصاد قوي ومستدام.

التحول الرقمي والأخضر.. الفرصة الجديدة

ويختتم محيي الدين رؤيته بالتأكيد على ضرورة أن تطور أفريقيا قدرتها على الريادة من خلال التحول الرقمي وإرساء اقتصاد أخضر.

ويرى أن الجمع بين البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا ورأس المال البشري يمكن أن يفتح للقارة مسارًا جديدًا للتنمية، شريطة معالجة الاختلالات المؤسسية وخفض تكلفة التمويل وتحسين بيئة الأعمال.

وبينما تمتلك أفريقيا 1.5 مليار نسمة، وتستحوذ على أكثر من 19% من سكان العالم، فإن حصتها من الناتج العالمي لا تزال عند حدود 3% فقط، في وقت تحتاج فيه إلى 155 مليار دولار سنويًا للبنية التحتية مقابل استثمارات فعلية تبلغ نحو 83 مليار دولار.

وحسب طرح محيي الدين، فإن هذه الأرقام تكشف جوهر المعضلة: القارة لا تفتقر إلى الفرص، وإنما تعاني ارتفاع تكلفة تحويل هذه الفرص إلى استثمار وإنتاج ونمو.

يتوقف مستقبل الاستثمار الأفريقي، كما يراه محيي الدين، على قدرة دول القارة على خفض تكلفة رأس المال، وتقوية المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، وتوسيع التجارة البينية، والاستفادة من التحول الرقمي والأخضر، بحيث تتحول الثروات الطبيعية والديموغرافية من مجرد إمكانات ضخمة إلى قوة إنتاجية واقتصادية حقيقية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *