في عيد الفلاح.. المزارع يواجه التكلفة وينتظر السوق ويحارب تغير المناخ
يتذكر الحاج يوسف جيدًا أول مرة سمع فيها عن “الإصلاح الزراعي” بينما كان صبيًا الذي ارتبط به يوم عيد الفلاح. لكنه لا يتذكر 9 سبتمبر 1952 على وجه التحديد، حيث وزّعت أراضٍ على الفلاحين وأنشأت جمعيات تعاونية للإصلاح الزراعي.
بعد أكثر من 7 عقود على القانون رقم 178 لسنة 1952، لم تعد معركة الفلاح تدور حول امتلاك الأرض، وإنما حول القدرة على الاستمرار في زراعتها.
نقيب الفلاحين حسين أبو صدام، يقول لـ”مصراوي” إن تكريم الفلاح في عيده لا يجب أن يتوقف عند الكلمات والاحتفالات، وإنما يتحول إلى إجراءات ملموسة يشعر معها الفلاح بأن الدولة ترد له جزءًا من تعبه الممتد على مدار سنوات.
يتذكر المزارع محمد سلامة (44 عامًا) أيام الأسمدة المدعمة، لكن يقول إن واقع السوق حاليًا تشهد أسعارًا تتراوح بين 17 ألفًا و25 ألف جنيه للطن، بينما تجاوز طن سلفات النشادر 20 ألف جنيه.
ويشير أبو صدام إلى الحاجة لمعالجة بعض المشكلات المرتبطة بالكارت الذكي للحيازة الزراعية، خاصة ما يتعلق بالميراث ونقل الحيازات، بجانب توفير التقاوي المعتمدة بأسعار مخفضة وبكميات كافية.
فدان القمح يلتهم نحو 25 ألف جنيه موزعة بين تقاوي وحرث وأسمدة وعمالة وحصاد، حسبما يقول “سلامة” لـ”مصراوي”.
يقول أبو صدام إن منظومة الأسمدة الحالية خفضت أو منعت الدعم عن بعض المحاصيل، وهو ما يجعل توفير السماد الحر بأسعار مناسبة ضرورة أساسية، حتى لا يتحول خروج بعض المحاصيل من منظومة الدعم إلى فرصة لاستغلال الفلاح من جانب التجار.
أرض تتقزم واقتصاد يتراجع
في موسم 2026، مجلس الوزراء حدد سعر توريد أردب القمح بين 2250 و2350 جنيهًا، لتبلغ إنتاجية الفدان نحو 40 إلى 47 ألف جنيه، إلا أن الصافي الفعلي لربح الفلاح لا يتجاوز 13 ألف جنيه وفق تقدير “سلامة”، ويتابع: “نص الفلوس بتروح للزرعة من غير حساب إيجار الأرض أو الجهد الشخصي طول الموسم”.
يقول أبو صدام إن أهمية تعميم منظومة الزراعة التعاقدية لتشمل مختلف المحاصيل، باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تحد من خسائر الفلاح الناتجة عن تقلبات الإنتاج والأسعار، مطالبًا في الوقت نفسه بمراجعة الأسعار الاسترشادية للمحاصيل الأساسية لتعكس التكلفة الفعلية وتضمن هامش ربح مجزيًا للمزارع.
وفي ملف التمويل، يلفت أبو صدام إلى أن الدولة قدمت تمويلات تقترب من 11.5 مليار جنيه، إلا أن صغار المربين لا يحصلون على نصيب كافٍ منها، مطالبًا بإعادة توجيه الاهتمام نحو هذه الفئة باعتبارها الأكثر احتياجًا للتمويل.
يدق الحاج يوسف ناقوس الخطر بسبب غياب منظومة تأمين زراعي شاملة تقي الفلاح مخاطر المناخ، حسب حديثه لـ”مصراوي”.
يطالب أبو صدام بإنشاء صندوق للتكافل الزراعي يتولى تعويض الفلاحين سريعًا عن الأضرار الناتجة عن الكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية.
في دراسة حديثة صادرة عن معهد التخطيط القومي، يتوقع الخبراء ارتفاع درجات الحرارة بين 2.8 و3.5 درجة مئوية بحلول 2050، ما يهدد بتراجع الإنتاجية الزراعية بنحو 7%.
يطالب أبو صدام بتعزيز الإرشاد الزراعي وتوفير المعلومات للفلاحين عن المحاصيل المناسبة وفرص التصدير والتكنولوجيات الحديثة وأساليب الزراعة والري، بما يساعد على رفع الإنتاجية وتقليل التكلفة.
أما المهندس الزراعي عمر عزب، فيحذر من أن درجات الحرارة المرتفعة قد تتسبب في تلف ما يصل إلى 30% من محاصيل الخضراوات كالطماطم والأعشاب، وفقما يقول لـ”مصراوي”.
زراعة بالدين وغياب لشبكة الأمان
في ظل عجز مائي يتجاوز 20 مليار متر مكعب، تتجه الدولة لتعميم الري الحديث لـ6.1 مليون فدان، ورغم مبادرات البنك المركزي المصري بقروض ميسرة (بفائدة 5% بقيمة 10-15 ألف جنيه للفدان).
إلا أن الحاج يوسف يقول لـ”مصراوي” إن الفلاح الصغير يظل مكبلًا بتكلفة التأسيس الأولى للشبكة قبل لمس وفوراتها.
يوضح أبو صدام أن لجان تحديد الأسعار تضم مستشارين ومتخصصين، لكن الفلاح نفسه غائب عن عملية التسعير، رغم أنه الأكثر دراية بالتكلفة الفعلية وما يحقق له عائدًا مناسبًا، مضيفًا أن “التسعير على الورق غير الواقع”، لأن تكاليف الإنتاج التي يتحملها المزارع قد تكون أعلى بكثير من التقديرات الموضوعة مسبقًا.
ترصد نتائج الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أزمة بنيوية، حيث ارتفعت نسبة الحائزين لأقل من فدان بأكثر من 43%، وتراجع متوسط حيازة الفرد في هذه الفئة من 12 إلى 11 قيراطًا.
يطالب أبو صدام بإشراك الفلاحين في المشروعات القومية الزراعية، ومنها مشروعات الدلتا الجديدة ومستقبل مصر والريف المصري عبر إتاحة فرص للعمل أو الانتفاع بالأراضي.
ويتراجع الوزن النسبي للقطاع الزراعي إلى 11-13% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات البنك الدولي والهيئة العامة للاستثمار، رغم استيعابه لثلث القوى العاملة.
كما دعا أبو صدام إلى استكمال مشروعات “حياة كريمة” في القرى، خاصة ما يتعلق بتمهيد الطرق وشبكات الصرف الصحي والزراعي، ذاكرًا أن تحسين البنية الأساسية للريف جزء أساسي من تحسين ظروف معيشة الفلاح واستمراره في العمل الزراعي.
ويقول أبو صدام إن من أبرز مطالب الفلاحين في عيد الفلاح تعزيز تمثيلهم في مجلسي النواب والشيوخ والمجالس المحلية، بجانب زيادة الدعم الموجه إليهم وتوفير الأسمدة بأسعار مناسبة في السوق الحرة فضلًا عن خفض أسعار مستلزمات الإنتاج خاصة التقاوي والآلات والمعدات في ظل ارتفاع تكاليف الزراعة.
يعود الحاج يوسف إلى أرضه بينما يحمل هم حسابات الأرض التي تحتاج قدرة أكبر على تحمل تكلفتها، بينما يواصل سلامة حساب ما دفعه في الفدان وما تبقى له بعد الحصاد.
ففي الذكرى 74 لـ عيد الفلاح، تبدو المعركة مختلفة؛ لم يعد السؤال: من يملك الأرض؟ وإنما أصبح: من يستطيع أن زراعتها والاستمرار فيها؟