“عين جفت وعظام بقيت”.. أسرار مستوطنة رومانية طمستها رمال الوادي الجديد


في قلب الصحراء الغربية، وعلى مسافة نحو 3.5 كيلومتر شرق قصر دوش بمركز باريس في الوادي الجديد، تقف بقايا “عين زيادة” كصفحات مفتوحة من تاريخ العهد الروماني.

ورغم اختفاء العين التي حمل الموقع اسمها وتآكل أجزاء واسعة بفعل الزمن، ما تزال التلال وبقايا الآبار والطوب الطيني والفخار والزجاج والعظام ترسم ملامح مستوطنة صغيرة عاشت يومًا على النشاط الزراعي والحرفي والتجاري، وتحول الموقع الأثري اليوم إلى شاهد نادر على قدرة الإنسان على التكيف مع صحراء قاسية.

مستوطنة خرجت من قلب الصحراء

تعود قصة “عين زيادة” إلى العهد الروماني، حين كانت المنطقة جزءًا من شبكة تجمعات صغيرة انتشرت في واحات الصحراء الغربية، مستفيدة من المياه والطرق الصحراوية القديمة.

وتظهر على الأرض المرتفعة بقايا آبار وحفر للمياه، إلى جانب شجيرات ونخيل وتلال صغيرة تحمل آثار مبانٍ من الطوب الطيني، وهي شواهد تكشف أن الموقع الأثري لم يكن نقطة عابرة، بل مستوطنة لها نشاط يومي وعمراني واضح، ارتبط بموارد البيئة المحيطة وحركة البشر بين الواحات.

وبالقرب من هذه البقايا تظهر آثار قرية رومانية قديمة، فيما كشفت الشواهد السطحية عن قطع من الفخار والزجاج وأدوات من الصوان وبقايا عظام.

ويرى الخبير الأثري بهجت أبو صديرة، مدير آثار الخارجة وباريس السابق، أن طبيعة هذه المكتشفات تمنح عين زيادة قيمة خاصة في فهم شكل الحياة خلال العهد الروماني داخل الوادي الجديد، بعيدًا عن المراكز الحضرية الكبرى.

زيارة فرنسية تكشف أسرار الموقع

وفي 16 مارس 1978، زار الباحث الفرنسي جان جاسكو عين زيادة، وهي الزيارة التي وصفها بهجت أبو صديرة، مدير الآثار المصرية السابق في الوادي الجديد، بأنها من أبرز محطات دراسة الموقع.

وقال أبو صديرة لـ«مصراوي»، إن تقرير الباحث الفرنسي أشار إلى وجود شظايا أوانٍ خزفية وزجاجية وأدوات صوانية وعظام، وهي قرائن ترجح ارتباط المستوطنة بأنشطة تجارية وحرفية، دون ظهور مؤشرات واضحة على استخدام ديني أو عسكري.

ويبرز شمال عين زيادة مبنى روماني فوق تلة صغيرة ترتفع قرابة 1.5 متر عن مستوى الأرض.

وقال الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية بـالوادي الجديد، لـ«مصراوي»، إن المبنى يصل طوله إلى نحو 15 مترًا وعرضه إلى 4 أمتار، ويرجع إلى العهد الروماني، ويعد من أهم ما تبقى في الموقع الأثري.

وأوضح إبراهيم أن المبنى شُيّد من الطوب المجفف بالهواء، وربطت أجزاؤه بملاط طيني، بينما كانت الجدران الداخلية مطلية باللون الأبيض.

ويتكون المبنى من أربع غرف؛ غرفة كبيرة في الغرب، وغرفتين متوازيتين في الشرق، وغرفة أخرى تمتد بعرض المبنى، فيما تشير بقاياه إلى سقف أسطواني صُمم بما يتلاءم مع ظروف الصحراء الغربية ويحافظ على بساطة البناء وقوته.

فخار وزجاج يكشفان طبيعة النشاط

وبحسب مدير الآثار، فإن قراءة المواد الأثرية المكتشفة في عين زيادة ترجح استخدام المستوطنة في أنشطة زراعية وتجارية وحرفية.

ويعزز وجود الفخار والزجاج والصوان هذا التصور، إذ كانت الموارد المحلية مثل الطين والصوان تدخل في صناعة أدوات الاستخدام اليومي، بما يكشف جانبًا من الاقتصاد المحلي خلال العهد الروماني، ويمنح الموقع الأثري أهمية تتجاوز حدود المبنى الباقي نفسه.

وتزداد أهمية هذا التصور بالنظر إلى موقع عين زيادة بالقرب من دوش، التي عُرفت في العصر اليوناني الروماني باسم «كيسيس»، وكانت تقع على طريق قوافل مهم في جنوب الواحات.

ويشير إبراهيم، إلى أن دوش احتفظت بحصن وآثار من العصرين البطلمي والروماني، فيما تُدرج وزارة السياحة والآثار معبد دوش ضمن المواقع اليونانية والرومانية في واحة الخارجة، وهو ما يعكس الثقل الأثري للمنطقة المحيطة بالموقع الأثري.

قيمة سياحية وبحثية باقية

أما اليوم، فما تزال عين زيادة تحتفظ بقيمة علمية وسياحية رغم ما أصاب بقاياها من تآكل.

وقال محسن عبد المنعم، مدير الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي بـالوادي الجديد، لـ«مصراوي»، إن الموقع الأثري يمثل مرجعًا مهمًا للباحثين المهتمين بعمارة العهد الروماني في البيئات الصحراوية، كما يساعد على فهم وسائل تكيف السكان مع ندرة المياه والظروف المناخية الصعبة.

وأضاف أن عين زيادة تكشف كيف نجحت تجمعات بشرية صغيرة في استغلال موارد الصحراء الغربية، وبناء منشآت ملائمة للبيئة، وربط نشاطها بمسارات الحركة بين القرى والمدن القديمة.

وبين بقايا الطوب والفخار والعظام، يبقى الوادي الجديد محتفظًا بفصل آخر من تاريخ مصر الروماني، يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتوثيق والحماية، حتى يظل الموقع الأثري شاهدًا قابلًا للقراءة أمام الباحثين والزائرين والأجيال المقبلة.

اقرأ أيضا:

“تظهر لمن يضل الطريق”.. حكايات مثيرة عن واحة زرزورة المفقودة بالوادي الجديد (صور)



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *