المشير أحمد إسماعيل.. الرجل الذي قاد جيش مصر في حرب أكتوبر| بروفايل

تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية العريقة، فقد تبارت خلالها مختلف التشكيلات والقيادات في أداء دورها ضمن ملحمة صنعت نصرا مبينا، دفع فيه المصريون أثمانا غالية من دمائهم الطاهرة، من أجل استرداد جزء غال وعزيز من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية خاضتها مصر وحققت خلالها أحد أعظم انتصاراتها، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الشعب المصري على تحويل الحلم إلى حقيقة؛ إذ تحدى الجيش المصري المستحيل وقهره، وأثبت قدرته على تحقيق النصر في واحدة من أصعب اللحظات التي يمكن أن تمر بها أي أمة.
وتحل ذكرى نصر السادس من أكتوبر عام 1973، لتظل الحرب واحدة من أبرز المحطات الخالدة في وجدان الشعب المصري والضمير العربي. فقد رفع جيل أكتوبر راية الوطن على أرضه، وأعاد إلى العسكرية المصرية الثقة والكبرياء، وأثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز أصعب التحديات.
المشير أحمد إسماعيل
منذ صغره، كان المشير أحمد إسماعيل شغوفا بقراءة كتب التاريخ والسيرة وبطولات القادة العسكريين، ونشأ في بيئة قريبة من الحياة العسكرية، إذ كان والده يعمل ضابطا بوزارة الداخلية، ومع مرور السنوات، تحولت تلك النشأة إلى مسيرة عسكرية طويلة، انتهت بتوليه قيادة القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر المجيدة.
النشأة والبداية العسكرية
ولد المشير أحمد إسماعيل في الرابع من أكتوبر عام 1917 بحي شبرا، وحصل على شهادة البكالوريا “الثانوية العامة” عام 1934، وتقدم إلى الكلية الحربية مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إلا أن أوراقهما رفضت، فالتحق بكلية التجارة، وواصل دراسته بها لمدة عامين بتفوق،
غير أن حلم الالتحاق بالكلية الحربية ظل حاضرًا، ولم يقبل أحمد إسماعيل التخلي عنه، وظل يسعى لتحقيقه حتى تمكن من الالتحاق بالكلية عام 1937.
الكلية الحربية
أمضى المشير أحمد إسماعيل فترة الإعداد في الكلية الحربية بنجاح، وتخرج فيها برتبة ملازم ثان، وعين في سلاح المشاة عام 1938 ضمن الدفعة الثامنة حربية، وعمل ضابط استطلاع وقائدا لفصيلة في إحدى كتائب المشاة، وكان من بين زملائه في الخدمة الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس محمد أنور السادات، والفريق عبد المنعم رياض، والكاتب يوسف السباعي، والفنان أحمد مظهر.
وفي الأول من مايو عام 1940، رقي إلى رتبة الملازم أول، وتولى قيادة سرية بإحدى كتائب المشاة، ثم حصل على رتبة النقيب في الخامس من سبتمبر عام 1942، وبفضل كفاءته العسكرية، اختير في السابع من يوليو عام 1948 لشغل منصب أركان حرب إحدى كتائب المشاة، ثم رقي إلى رتبة رائد وتولى قيادة سرية في رفح.
التفوق العسكري وصناعة القائد
لم يتوقف المشير أحمد إسماعيل عند حدود الخدمة الميدانية، بل حرص على تطوير قدراته العسكرية باستمرار، واختير للمشاركة في دورة تدريبية عسكرية في دير ياسين بفلسطين، وكانت الحكومة الإنجليزية تشرف عليها.
وحقق خلال الدورة نتائج متميزة، إذ جاء في المركز الأول بين الضباط المصريين والإنجليز المشاركين فيها، الأمر الذي دفع القيادة العسكرية إلى إيفاده في دورة تدريبية أخرى ببريطانيا، ليعود منها بعد اجتيازها بنجاح، محققًا المركز الأول بين المشاركين.
وفي عام 1948، التحق بكلية أركان الحرب وهو برتبة صاغ “رائد”، إلا أن اندلاع حرب فلسطين في 15 مايو من العام نفسه أدى إلى توقف الدراسة، وصدر له أمر بالمشاركة في الحرب وإنشاء خط دفاعي قوي بمدينة رفح.
ونجح في إقامة خط دفاعي محكم، ما لفت أنظار القيادة العسكرية إلى كفاءته في التخطيط الدفاعي، فكلف بإعداد خطة مماثلة لصد الهجوم الإسرائيلي على مدينة العريش.
التعلم المستمر
واصل المشير أحمد إسماعيل تطوير نفسه في العلوم العسكرية، وسعى إلى مواكبة التطورات في تكنولوجيا التسليح والاستراتيجية العسكرية، فالتحق عام 1950 بكلية القادة والأركان للقوات المسلحة المصرية للحصول على درجة الماجستير في العلوم العسكرية، وجاء في المركز الأول على دفعته.
وفي الحادي عشر من فبراير عام 1951، رقي إلى رتبة المقدم، ثم اختير بعد فترة قصيرة مدرسا بكلية القادة والأركان، حيث عرف بالجدية والنشاط والاهتمام بتطوير مستوى طلاب الفرق التعليمية في العلوم العسكرية.
ومع قيام ثورة 23 يوليو عام 1952، شهدت القوات المسلحة تغييرات واسعة في قياداتها، وصدر أمر بتولي أحمد إسماعيل رئاسة أركان حرب إحدى فرق المشاة.
التدريس وتكوين التشكيلات المقاتلة
عاد المشير أحمد إسماعيل إلى مهنة التدريس التي كان يصفها بأنها طريق النصر، فاستأنف عمله في كلية أركان الحرب في سبتمبر 1952، قبل أن تصدر إليه أوامر بتولي قيادة الكتيبة السابعة مشاة في السابع من سبتمبر 1953.
وخلال قيادته للكتيبة، اختير عضوا في اللجنة العليا للمفاوضات العسكرية مع إنجلترا عام 1954، ثم كلف بتكوين أول تشكيل عسكري مقاتل، وفقا للتعليمات والخطط العسكرية المعتمدة، حيث تولى تعبئة عناصره وتدريبها بما يضمن قدرتها على تنفيذ المهام المكلفة بها.
صفقة الأسلحة التشيكية وإنشاء قوات الصاعقة
في عام 1955، اختير المشير أحمد إسماعيل عضوا في اللجنة المكلفة بشراء صفقة الأسلحة التشيكية للقوات المسلحة، وفي الأول من يناير عام 1955، رقي إلى رتبة العقيد، وفي تلك المرحلة طرح فكرة إنشاء أول وحدة لقوات الصاعقة، لتكون ضمن الوحدات الأساسية بالقوات المسلحة، وقادرة على تنفيذ المهام التي تتطلب سرعة الحركة والجرأة والقدرة القتالية العالية.
وتكونت الوحدة من مجموعة من الضباط الشباب المتفوقين في العلوم العسكرية، ممن امتلكوا قدرات عالية في التدريب والقتال، وتولى المشير أحمد إسماعيل الإشراف على تدريبهم وإعدادهم معنويا ونفسيا، لتكون نواة لقوات الصاعقة المصرية.
مواجهة العدوان الثلاثي
تولى المشير أحمد إسماعيل قيادة لواء مشاة عام 1956، وكان من الألوية المتمركزة في سيناء. ومع وقوع العدوان الثلاثي في 29 أكتوبر من العام نفسه، شارك بلوائه في التصدي للقوات المعتدية، وتقدم حتى وسط سيناء، وخاض عددا من المعارك.
ثم صدرت إليه التعليمات بالتوجه إلى بورسعيد، وكلف باستلام المدينة عقب انسحاب القوات البريطانية وخروج آخر جندي أجنبي منها. وفي 21 ديسمبر 1956، رفع المشير أحمد إسماعيل علم مصر على بورسعيد، وخلال معارك بورسعيد، نفذت قوات الصاعقة المصرية التي كان قد أسهم في إنشائها عملياتها ضد القوات المعتدية بكفاءة عالية.
وبعد ذلك، أوفد المشير أحمد إسماعيل إلى أكاديمية “فروتز” العسكرية العليا في الاتحاد السوفيتي، حيث خاض مرحلة جديدة من التدريب والتأهيل العسكري، وتمكن من تحقيق نتائج متميزة، وجاء في المركز الأول بين زملائه عند تخرجه عام 1957.
كبير المعلمين بالكلية الحربية
في الأول من يناير عام 1958، رقي إلى رتبة العميد، وعاد إلى مجال التدريب، قبل أن يختار كبيرا للمعلمين بالكلية الحربية في 31 مارس 1959، ومن خلال هذا المنصب، ركز على إعداد ضباط يمتلكون قدرات عالية في التخطيط العسكري والتدريب، وتأهيلهم لمواجهة المهام القتالية المستقبلية.
أول تشكيل مقاتل في القوات المسلحة
تولى المشير أحمد إسماعيل قيادة فرقة مشاة في السادس من يوليو عام 1962، وعمل على إعادة تشكيلها لتصبح أول تشكيل مقاتل في القوات المسلحة المصرية، وفي الرابع من مايو عام 1965، تولى رئاسة هيئة تدريب القوات البرية، وهو المنصب الذي كان يشغله خلال عدوان يونيو 1967، كما التحق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، وحصل على درجة الزمالة قبل العدوان.
من عدوان يونيو 1967 إلى حرب الاستنزاف
عقب عدوان يونيو 1967، تولى المشير أحمد إسماعيل رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة في الرابع عشر من يونيو من العام نفسه، قبل أن يتولى بعد أسبوعين قيادة قوات الجبهة غرب قناة السويس، وكانت أمامه مهمة شديدة الصعوبة، وهي استعادة الكفاءة القتالية للقوات المصرية، وبناء الدفاعات غرب القناة، وإدارة أعمال القتال في حرب الاستنزاف في الوقت نفسه.
ونجح في التخطيط وإدارة العمليات المسندة إلى قواته، ومن أبرزها معركة الجزيرة الخضراء، ومعركة رأس العش، وإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات في المياه الإقليمية المصرية قبالة بورسعيد.
وفي عام 1968، تولى رئاسة هيئة العمليات، ثم عين رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية في مارس 1969، عقب استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض.
كما شغل منصب الأمين العسكري المساعد بجامعة الدول العربية، قبل أن يختاره الرئيس محمد أنور السادات في مايو 1971 لرئاسة جهاز المخابرات العامة، حيث شهدت فترة رئاسته الكشف عن عدد من قضايا التجسس.
وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة
في 26 أكتوبر 1972، عين أحمد إسماعيل وزيرا للحربية، ثم عين في يناير 1973 قائدا عاما للقوات المسلحة المصرية، وبعد أسبوع من توليه المنصب، اختاره مجلس الدفاع العربي قائدا عاما للجبهات الثلاث الشرقية الأردن، والشمالية سوريا، والجنوبية مصر.
قائد حرب أكتوبر
مع اقتراب ساعة الصفر، أصبح المشير أحمد إسماعيل في قلب الاستعدادات للمعركة، وقاد الجبهتين الشمالية والجنوبية خلال حرب أكتوبر 1973، وأدار الحرب بثبات وصبر، وأسهم في تنسيق الجهود بين القوات المصرية والسورية خلال مرحلة الإعداد للمعركة وبدء العمليات في السادس من أكتوبر 1973، قبل أن يواصل قيادة القوات المسلحة في مرحلة ما بعد الحرب والعمل على تطويرها وتحديثها.
وكانت حرب أكتوبر محطة فارقة في مسيرته العسكرية، بعدما انتقلت مصر من مرحلة إعادة بناء القوات واستعادة الكفاءة القتالية إلى خوض معركة العبور وتحقيق إنجاز عسكري كبير غير مسار الصراع.
تكريم قائد المعركة
عقب حرب أكتوبر، أصدر الرئيس السادات قرارا بترقية الفريق أول أحمد إسماعيل إلى رتبة المشير، أرفع الرتب العسكرية، وذلك خلال احتفال مجلس الشعب في 19 فبراير 1974.
وفي 26 أبريل من العام نفسه، عين نائبا لرئيس الوزراء، إلى جانب مناصبه السابقة، لتتوج مسيرته العسكرية الطويلة التي امتدت من ضابط شاب في سلاح المشاة إلى أحد أبرز القادة الذين ارتبط اسمهم بحرب أكتوبر.