اتحاد الاذاعات العربية يناقش أمن المحتوى الإذاعي في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي

عُقد بمقر الاتحاد إذاعات الدول العربية، ورشة مهنية حول أمن المحتوى الإذاعي في البيئة الرقمية وحماية الحقوق والملكية الفكرية، بمشاركة عدد من ممثلي الهيئات الإذاعية العربية وخبراء في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، وذلك لبحث التحديات التي تواجه المؤسسات الإذاعية في حماية محتواها وأنظمتها وأرشيفها وحقوقها في ظل التحول الرقمي وتوسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتناولت الورشة، التي جمعت بين الجانبين التقني والقانوني، سبل حماية المحتوى منذ مرحلة إنتاجه وتخزينه إلى حين بثه وإعادة استغلاله عبر المنصات الرقمية، إلى جانب بحث مخاطر الاختراق وتسريب البيانات وانتحال الهوية واستنساخ الأصوات، فضلا عن الإشكالات القانونية المرتبطة بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وفي الجانب القانوني، تناول الخبير المصري الدكتور حسام لطفي القيمة الاقتصادية للمحتوى الإذاعي والتلفزيوني والتحديات التي فرضها الانتقال الرقمي، خاصة مع تعدد قنوات التوزيع وإعادة استخدام التسجيلات.
استغلال المحتوى يتطلب التمييز بين الترخيص باستعمال المصنف ونقل الحقوق
وأوضح أن استغلال المحتوى يتطلب التمييز بين الترخيص باستعمال المصنف ونقل الحقوق، مع ضرورة تحديد صاحب الحق ومصدر التسجيل ونطاق الترخيص قبل إعادة استخدامه أو إنتاج تسجيل جديد بالاعتماد عليه.
كما تناول الاستعمالات الجديدة للأرشيف والأصوات في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى ظهور تعاقدات تتعلق باستخدام محتويات سابقة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح أسئلة جديدة بشأن غرض الترخيص والحقوق المرتبطة بالمحتوى والأداء والصوت والصورة.
وفي ما يتعلق بإعادة استخدام الأعمال القديمة، شدد على ضرورة دراسة كل حالة بحسب التشريع المطبق وطبيعة العمل ومدة الحماية ونوع الاستغلال، مؤكدا أن مرور مدة زمنية معينة لا يعني بالضرورة إمكانية تحويل أي عمل إلى تسجيل صوتي أو إعادة استغلاله دون التثبت من الحقوق.
وحول التفاوت في جاهزية الهيئات الإذاعية العربية، قدمت المهندسة إيناس الجبالي رئيسة قسم تكنولوجيا التشغيل والإنتاج باتحاد إذاعات الدول العربية عرضا حول مستوى جاهزية الهيئات الإذاعية في مجال أمن المحتوى، مؤكدة أن الانتقال إلى شبكات الإنترنت والخدمات السحابية ساهم في توسيع انتشار المحتوى، لكنه في المقابل أوجد مخاطر جديدة تتعلق باختراق الأنظمة وتسريب الأرشيف وانتحال الهوية وتعطيل البث.
وأوضحت أن الحماية يجب أن ترافق المحتوى منذ مرحلة الاقتناء والإنتاج وصولا إلى التخزين والبث والتوزيع، مشيرة إلى أهمية إدارة الصلاحيات والحقوق الرقمية، ومراقبة الشبكات والخوادم، واعتماد النسخ الاحتياطية وخطط التعافي، إلى جانب التوعية بمخاطر التصيد والهندسة الاجتماعية.
وأشارت إلى أن نحو نصف الهيئات، وفق نتائج الاستبيان المعروض خلال الورشة، لديها سياسات أمنية موثقة وأنظمة مراقبة، فيما تتوفر خطط للاستجابة للحوادث لدى 58 بالمائة من الهيئات. وأكدت أن الاتحاد يواصل متابعة الثغرات وتحسين الجاهزية من خلال الاجتماعات واللجان الهندسية وتبادل الخبرات.
من جهته، تناول الخبير العراقي الدكتور أسعد موسى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وأمن المؤسسات الإذاعية، مميزا بين أدوات الذكاء الاصطناعي التي تكتفي باقتراح النصوص أو الإجابات، وبين الوكلاء الذكيين القادرين على وضع الخطط واستخدام الأدوات وتنفيذ المهام ومراقبة النتائج.
وأكد أن ارتفاع مستوى الصلاحيات الممنوحة للأنظمة الذكية يفرض مستوى أعلى من الحوكمة والرقابة، محذرا من مخاطر تسريب البيانات، واستخدام نماذج مجهولة المصدر، وتسرب الأوامر الخبيثة، فضلا عن إمكانية استنساخ أصوات المذيعين والمسؤولين والتلاعب بالمحتوى المبثوث.
في المقابل، أشار إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي في إعداد المحتوى وتلخيص الأخبار وتوليد الأصوات وتحليل البث بصورة آنية، داعيا المؤسسات إلى جرد أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة فعليا، وتحديد البيانات والصلاحيات المتاحة لها، ومراجعة مصادر النماذج وشروط استخدامها قبل توسيع نطاق الاعتماد عليها.
كما شدد على أهمية وجود بدائل احتياطية تضمن استمرارية البث عند حدوث خلل أو هجوم سيبراني، معتبرا أن الأتمتة لا يمكن أن تلغي الحاجة إلى الرقابة البشرية، خاصة في العمليات الحساسة.
أما الخبيرة التونسية الدكتورة ريما العباسي، فقد وسعت مفهوم أمن المحتوى ليشمل حماية البيانات والتدفقات والرسالة الإعلامية وثقة الجمهور، إلى جانب حماية الأجهزة والأنظمة.
وحددت ثلاثة أصناف رئيسية من الأصول التي تستوجب الحماية، وهي المحتوى المنتج والأرشيف، وبنية البث من خوادم وشبكات ومعدات، إضافة إلى البيانات الوصفية وبيانات الحقوق وسجلات العمل.
وتطرقت إلى عدد من المخاطر، من بينها هجمات الفدية وتسريب البيانات والتلاعب بجداول البث الآلي واختراق الروابط بين الاستوديوهات والإرسال، فضلا عن ضعف كلمات المرور والصلاحيات المفرطة وانتحال الهوية الصوتية والمرئية.
وأكدت أن حماية البيئة الرقمية تقوم على دورة متواصلة تبدأ بالوقاية، ثم مراقبة الأنشطة غير الاعتيادية واحتواء آثار الحوادث واستعادة الأنظمة ومعالجة الثغرات لمنع تكرارها.
كما شددت على أن الأمن السيبراني لا يقتصر على المختصين في التكنولوجيا، بل يشمل جميع العاملين داخل المؤسسة، داعية إلى التدريب المتواصل واعتماد مبدأ الحد الأدنى من الصلاحيات والمراقبة الأمنية المستمرة وخطط استمرارية الأعمال.
وفي محور تجارب الهيئات الإذاعية، قدم الأستاذ ماهر الفرشيشي، مسؤول الإعلام الرقمي بالإذاعة التونسية، تجربة المؤسسة في حماية المحتوى وتنظيم استغلاله رقميا.
وأوضح أن الإذاعة تعمل على ثلاثة مسارات متوازية تشمل التعاون مع الجهات المختصة في مجال الحقوق، والإجراءات التحريرية وطرق النشر، إلى جانب الإجراءات التقنية المتعلقة بالمواقع والمنصات.
وأشار إلى اعتماد هوية رقمية موحدة للإذاعات المركزية والاقليمية، وإبراز هوية الإذاعة في الصور والمواد المنشورة، والاستفادة من البحث العكسي لتتبع المواد المعاد استخدامها، فضلا عن اعتماد قوالب مرئية تساعد على حماية الهوية الرقمية للمحتوى.
وعرض منور ويس تجربة الإذاعة الجزائرية، التي تقوم على الفصل بين الشبكات الداخلية للقنوات وشبكة الإنترنت، إلى جانب اعتماد خوادم وحماية خاصة وحسابات شخصية يحدد نطاق النفاذ إليها بحسب الوظائف والمسؤوليات.
وتطرق إلى تنظيم النفاذ إلى الأرشيف الصوتي، من خلال اعتماد حسابات للعاملين واشتراط طلب مسبق لاستغلال المواد، مع تطبيق إجراءات مماثلة على البوابة الرقمية والتطبيقات وحسابات التواصل الاجتماعي.
وفي الجانب الحقوقي، أوضح أن الإذاعة الجزائرية تعتمد إجراءات للتصريح بالأعمال المبثوثة، كما شدد على ضرورة نشر المحتوى أولا عبر القنوات والحسابات الرسمية للمؤسسة وعدم اعتماد الحسابات الشخصية في البث المباشر من الاستوديو.
أما ممثل إذاعة الكويت الأستاذ ابراهيم ماتقي مدير عام الاذاعة بالتكليف مدير التتسيق والمتابعة فقدم مقترحا لإحداث مرجعية عربية استشارية في مجال الأرشيف والملكية الفكرية، انطلاقا من إشكالات مرتبطة بتسجيلات قديمة شارك فنانون في إنتاجها ثم ظهرت لاحقا مطالبات بملكيتها أو منع إعادة بثها.
ويقوم المقترح على التعاون بين الاتحاد والهيئات الإذاعية والاستعانة بخبراء مستقلين في القانون والأرشفة والتسجيلات الموسيقية وتاريخ الإنتاج، بهدف فحص العقود الأصلية وسجلات الإنتاج والبث والمراسلات، وتحديد طبيعة الحقوق ونطاق التراخيص.
كما يقترح إعداد سجل استرشادي للتسجيلات ووثائقها، ونماذج للتراخيص، وربط العقود بالمواد المؤرشفة، إلى جانب توفير شبكة من الخبراء والمحامين لمساعدة الإذاعات عند حصول نزاعات.
وأكد ممثل إذاعة الكويت أن الأمر يتعلق بمشروع مقترح وليس تجربة تقنية أو مرجعية تم إحداثها فعليا، على أن تتم إحالته إلى اللجنة الدائمة للإذاعة لدراسته.