أضخم من قايتباي 3 مرات.. حكاية “طابية اليسرى” حصن محمد علي بالإسكندرية
ظلت مدينة الإسكندرية لقرون عديدة البوابة الاستراتيجية الأولى التي سعى الغزاة للنفاذ منها إلى قلب الأراضي المصرية؛ وهو ما دفع مؤسس الدولة الحديثة محمد علي باشا إلى تدشين منظومة دفاعية متكاملة من القلاع والاستحكامات لتكون حائط صد منيعًا أمام أي عدوان بحري.
طابية اليسرى
وفي غرب المدينة العريقة، وتحديدًا بمنطقة الورديان، تقف طابية “أم قبيبة الكبرى”—المعروفة في السجلات القديمة بـ “طابية اليسرى”—شاهدًا معماريًا وعسكريًا استثنائيًا على مدار أكثر من 170 عامًا من تأمين الثغر وصون مداخله الملاحية.
تنفرد الطابية بأبعاد وتجهيزات هندسية تجعلها الحصن الأثري الأضخم مساحةً في مصر؛ حيث تمتد أسوارها على مساحة شاسعة تبلغ 13.5 فدان، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة قلعة قايتباي الشهيرة التي لا تتعدى مساحتها 4.5 فدان.
وجاء اختيار موقع التشييد قائمًا على عبقرية استغلال التضاريس الطبيعية؛ إذ أُقيمت الطابية مباشرة فوق تل صخري مرتفع يضم مدافن منحوتة ترجع إلى العصر البطلمي بمنطقة الورديان، ما وفر للحامية العسكرية ميزة الرؤية البانورامية والسيطرة التامة على خط الساحل.
ويطوق البناية الضخمة أعمق وأكبر خندق أثري باقٍ بحالته الإنشائية في مصر حتى الوقت الحاضر؛ حيث حُفر الخندق في صخور التل ليصل عمقه إلى 15 مترًا، ويتراوح اتساعه حول 9 أمتار متدرجًا وفق طبيعة الأرض المحيطة.
وشكل هذا الخندق مانعًا هندسيًا يستحيل تجاوزه، صُمم خصيصًا لإعاقة تقدم تشكيلات الفرسان وقوات المشاة المهاجمة، وحرمان العدو من أي إمكانية للاقتراب من الأسوار أو استهداف قواعد المدافع.
على غرار مبنى “البنتاجون” الشهير، اتخذ الحصن مسقطا خماسيا فريدا بخمس واجهات مضلعة، في تصميم هندسي سبق عصره بالمنطقة لكسر زوايا النيران وإلغاء أي ثغرات ميتة أمام مدفعية الأسطول المعادي، مما جعله أشبه بـ “بنتاجون عسكري” شيده محمد علي لتأمين ثغر مصر الغربي.»
ويرجع تاريخ بناء الطابية إلى الفترة بين عامي 1839 و1840م، حين استعان محمد علي باشا بالمهندس العسكري الفرنسي “جاليس بك” لإعادة هيكلة دفاعات الإسكندرية الساحلية، ونفذ الأخير خطة محكمة تضمنت بناء وتجديد 22 طابية وحصنًا بمعدل نقطة تمركز كل 3 كيلومترات.
وشُيد الحصن على هيئة مضلع خماسي يضم خمس واجهات لتشتيت مقذوفات السفن وتوفير زوايا رماية متعددة، ويتكون المبنى من ثلاثة طوابق تتقدمها واجهة شرقية رئيسية يتوسطها المدخل الضخم.
وفي وقت التأسيس كان جرى تزويد الحصن بترسانة تضم 56 مدفعًا و4 قذائف هاون موجهة لحماية الممر الملاحي وبوغاز الإسكندرية الغربي.
من الثكنات العسكرية إلى سجلات التراث القومي
وعُرفت الطابية عبر الخرائط المساحية باسم “حصن اليسرى” و”حصن الملاحة الجديدة”، تمييزًا لها عن الطابية القديمة (قلعة اليسرى الصغرى) التي اندثرت خلف محطة سكة حديد مريوط.
وظل الحصن مستغلًا عبر العقود كمعسكر للقوات المسلحة، وهو ما وفر له حماية ذاتية من التعديات والزحف العمراني حتى إخلائه؛ ليتوج تاريخه العريق بصدور القرار الوزاري رقم 385 لسنة 2018 بتسجيله رسميًا في عداد الآثار الإسلامية والقبطية لما يمثله من قيمة هندسية وتاريخية نادرة.
اقرأ أيضًا:
“كانوا هنا ثم اختفوا”.. من حكايات العالم السفلي لشارع النبي دانيال
بشرى سارة للمصطافين.. السماح بنزول البحر بعدد من شواطئ الإسكندرية
لمدة 24 ساعة.. محافظ الإسكندرية يقرر غلق شاطئ وانلي لمخالفة حظر نزول البحر