أسرار ومفاجآت ساحرة داخل أول حديقة جيولوجية بمصر


على مسافة تبعد آلاف الأميال عن صخب المدن، تبدو الأرض كأنها اقتطعت من مجرة أخرى لتهبط في قلب الصحراء المصرية بواحة الفرافرة؛ حيث تلاشت حدود الواقع ليحل محلها سحر خيالي يمزج بين بياض الثلج وعتمة الرمال لتروي الطبيعة حكايتها عبر ملايين السنين.

وفي مشاهد استثنائية توثقها العدسة وتكشف عنها رمال “الصحراء البيضاء”، تقف الصخور الطباشيرية شاهقة لتشكل لوحات سريالية مذهلة تُعرف بـ”موائد الشيطان”، بينما تتناثر العيون المائية لتخلق حياة نابضة وسط قسوة الرمال، في رحلة بصرية يأخذنا فيها السحر والغموض إلى كوكب آخر.

تقع محمية الصحراء البيضاء فى شمال واحة الفرافرة بمحافظة الوادي الجديد، على بعد نحو 45 كيلومترًا شمال واحة الفرافرة، وتبلغ مساحتها الإجمالية 3010 كيلومترات مربعة.

واكتسبت اسمها من اللون الأبيض الذي يكسو معظم أرجائها، نتيجة انتشار الصخور الطباشيرية والجيرية على نطاق واسع.

وبمرور الزمن، حفرت الرياح وعوامل التعرية تفاصيل دقيقة داخل الصخور، حتى اتخذت بعض التكوينات أشكالًا تشبه البشر والحيوانات والطيور، لتتحول الصحراء البيضاء إلى مقصد بارز لرحلات السفاري والتصوير ومراقبة الطبيعة.

صخور تعود إلى العصر الطباشيري

قال الدكتور جبيلي عبد المقصود، أستاذ الجيولوجيا بجامعة الوادي الجديد لموقع “مصراوي”، إن صخور الصحراء البيضاء تعود إلى العصر الطباشيري، وتتكون بصورة أساسية من الحجر الجيري والطباشير، بينما تعكس تضاريسها مراحل متعاقبة من التاريخ الجيولوجي للمنطقة.

وأوضح الدكتور محمد جبريل، الخبير بمحمية الصحراء البيضاء بواحة الفرافرة، أن المنطقة شاسعة وتضم معالم سياحية وأثرية ترتبط بتاريخ الواحة القديم، فضلًا عن تكوينات جيولوجية تمنح المكان طابعًا لا يتكرر في مناطق صحراوية كثيرة.

وفي عام 2002، أُعلنت الصحراء البيضاء محمية طبيعية بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بهدف صون تكويناتها الجيولوجية ومواردها الطبيعية وحياتها البرية.

ومنذ ذلك الحين أصبحت المحمية واحدة من أشهر الوجهات المرتبطة بالسياحة البيئية والصحراوية في الوادي الجديد.

نفرتيتي وأبو الهول بين الصخور

لا تحتاج كثير من تكوينات الصحراء البيضاء إلى شرح طويل؛ فبمجرد تغيير زاوية النظر قد تظهر أمام الزائر ملامح رأس الملكة نفرتيتي أو هيئة تمثال أبو الهول، قبل أن تتبدل التفاصيل من موقع إلى آخر بفعل الضوء وزاوية التقاط الصورة.

وقال محمد سالم، خبير آثار مركز الفرافرة، إن أبرز المزارات تشمل صخورًا تشبه رأس نفرتيتي وأبو الهول، إلى جانب تكوينات تحاكي رأس الحصان والدجاجة والعصفورة وذئب وموائد يطلق عليها “موائد الشيطان”.

وأضاف أن هيئة تلك الصخور تتغير تبعًا لزاوية مشاهدتها وطريقة تصويرها، وهو ما يجعل الجولة بينها تجربة بصرية مفتوحة على الخيال، ويمنح كل زائر فرصة لرؤية أشكال مختلفة داخل التكوين الصخري نفسه.

وتضم المنطقة كذلك صخرة يسميها سكان الواحة “العصيدة”، بسبب تشابهها مع عجينة الأكلة الشعبية المعروفة في الفرافرة.

كما تشتهر منطقة “المشروم” بصخور بيضاء اتخذت هيئة عش الغراب، نتيجة نحت الرياح لأجزائها السفلية بدرجات أكبر من قممها.

جبل الكريستال ومعالم الجذب

يأتي جبل الكريستال بين أبرز المعالم التي يقصدها زوار المنطقة، لما يحتويه من تكوينات معدنية وصخرية شفافة ولامعة تبدو شبيهة بقطع الكريستال الملونة، وتمنح المكان قيمة جمالية وجيولوجية خاصة.

وقال محسن عبد المنعم، مدير عام الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إن الصحراء البيضاء تستقبل زوارًا من دول مختلفة، لا سيما ألمانيا وإيطاليا، مشيرًا إلى أن الدراسات التي أعدها باحثون من البلدين أسهمت في التعريف بالمنطقة والترويج لها.

وذكر محسن أن السائحين الأجانب اعتادوا إقامة مخيمات قصيرة داخل المنطقة، وكانت تلك الرحلات توفر عائدًا اقتصاديًا لبعض أبناء الفرافرة العاملين في السياحة والنقل والإرشاد والخدمات المرتبطة بالسفاري.

تنوع بيولوجي وسط الرمال

لا تقتصر قيمة الصحراء البيضاء على الصخور؛ إذ تمثل المنطقة موطنًا لأنواع من الكائنات البرية، بينها الغزال المصري والغزال الأبيض والكبش الأروي، إلى جانب نباتات وأشجار تكيفت مع البيئة الصحراوية القاسية.

وقال الدكتور عبد المنعم حنفي، أستاذ التاريخ بكلية الآداب وأحد أبناء الوادي الجديد، إن التنوع البيولوجي في المحمية يمنحها قيمة بيئية كبيرة، خصوصًا مع وجود كائنات نادرة أو مهددة بالانقراض.

وأكد أنه تنتشر أشجار الأكاسيا والنخيل في عدد من المواقع القريبة من مصادر المياه، لتشكل بقعًا خضراء بين الصخور البيضاء، وتوفر تلك البيئات المحدودة الغذاء والظل والمياه للحيوانات، كما تساعد على استمرار التوازن الطبيعي داخل المحمية.

آثار تروي تاريخ الواحة

أكد مير تنشيط السياحة بالوادي الجديد، أنه تحمل المنطقة أيضًا شواهد على الوجود البشري القديم، إذ تضم مقابر وكهوفًا نادرة وبقايا مومياوات ونقوشًا ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب آثار مرتبطة بالعصر الروماني.

وأضاف محسن، أنه عُثر في نطاق المنطقة، على بقايا منازل قديمة وقطع وأوانٍ فخارية، ما يكشف أن الصحراء لم تكن مساحة معزولة تمامًا، بل مرت بها جماعات بشرية وقوافل استفادت من العيون المائية المنتشرة حول الواحة.

وتوجد ثلاث عيون مائية رئيسية هي عين خضرا وعين السرو وعين المكفي، وتوفر المياه للنباتات والحيوانات، كما تمثل نقاطًا للاستراحة خلال الرحلات السياحية.

وأوضح جبريل أن عين خضرا تعد من أقدم العيون المرتبطة بالوجود الروماني في الواحة، وعُرفت قديمًا باسم “الوِطن”، بكسر الواو والطاء وكانت محطة تتوقف عندها القوافل التجارية العابرة للمنطقة.

بحسب محسن عبد المنعم، مدير تنشيط السياحة بالمحافظة، تمتد الفترة الأنسب لزيارة الصحراء البيضاء من أكتوبر إلى يناير، حين تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالًا والرياح أهدأ مقارنة بفترات أخرى من العام.

ومع حلول الليل، تقدم الصحراء مشهدًا مختلفًا؛ إذ يقل التلوث الضوئي وتظهر النجوم بوضوح، ما يجعلها وجهة مميزة للتخييم المنظم والتصوير الفلكي ومراقبة مجرة درب التبانة، مع ضرورة الالتزام بتعليمات المحمية والجهات المنظمة للزيارة.

أكد مدير تنشيط السياحة بالوادي الجديد، أنه جرى وصف الصحراء البيضاء بأنها أول حديقة جيولوجية مصرية مدرجة لدى اليونسكو.

اقرأ أيضا

استثمارات بـ700 مليون دولار لتعزيز مشروعات الطاقة الشمسية بالوادي الجديد



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *