أثر عمره 17 قرنًا.. “عين الجديدة” تكشف أسرار المسيحية المبكرة بالداخلة
في قلب واحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، تقف منطقة «عين الجديدة» شاهدًا أثريًا على التحولات الدينية والعمرانية التي شهدتها الواحات المصرية خلال أواخر العصر الروماني وبدايات العصر المسيحي، بعدما كشفت الدراسات والحفائر عن مستوطنة ريفية تضم منازل وممرات ومجمعًا كنسيًا يعود إلى القرن الرابع الميلادي.
وتقع المنطقة بالقرب من قرية أسمنت بمركز الداخلة، على بعد نحو 20 كيلومترًا من مدينة موط، عاصمة مركز الداخلة، وترتبط تسميتها بعين مياه مجاورة تحمل الاسم نفسه، فيما تشير الدراسات إلى أن الاسم يعني «العين الجديدة» أو «النبع الجديد».
وأكدت الدكتورة سهام بحر، خبيرة الآثار القبطية بالوادي الجديد لـ”مصراوي”، أن «عين الجديدة» لم تكن كنيسة منفردة، وإنما مستوطنة ريفية متكاملة تضم مباني سكنية وإنتاجية إلى جانب المنشأة الدينية، ما يمنح الموقع أهمية خاصة في دراسة الحياة اليومية بواحة الداخلة خلال القرن الرابع الميلادي.
وأضافت أن المنطقة تضم مجموعة من الحجرات والممرات ذات التخطيط المتداخل، بما يعكس مراحل إنشائية متعاقبة، قبل أن تتوسع الدراسات ضمن مشروع شاركت فيه بعثة ممولة بالتعاون بين جامعة كولومبيا ومنطقة آثار الداخلة.
وتضم المنطقة حجرة رئيسية مستطيلة عُرفت بوصفها كنيسة، إلى جانب قاعة تجمع متصلة بها. ويكشف تخطيط الحجرة الكنسية عن نهاية شرقية تضم حنية نصف دائرية، فيما اصطفت دكك من الطوب اللبن على جانبيها الداخليين لاستيعاب المصلين.
كما أظهرت الحفائر دلائل على وجود أسقف مقبية وتعديلات معمارية متعاقبة، إلى جانب إعادة استخدام أجزاء من جدران ومنشآت أقدم، بما يشير إلى إدخال الكنيسة داخل بيئة عمرانية قائمة بالفعل، وليس في موقع خالٍ أُنشئ خصيصًا للعبادة.
وتعد هذه النقطة من أبرز ما يميز «عين الجديدة»، إذ تقدم نموذجًا لكيفية تحول المشهد العمراني مع انتشار المسيحية في الواحات المصرية.
وقال منصور عثمان، خبير الآثار القبطية بالوادي الجديد، إن المنطقة شهدت العثور على قطعة أوستراكا يونانية عام 2008، تحمل اسمًا قبطيًا هو «Pmoun Berri»، وهو اسم يقترب معناه من «البئر الجديدة» أو «العين الجديدة».
ويرى أن هذا الاسم قد يكون مرتبطًا بالموقع الحالي، إلا أن هذا الربط لا يزال ترجيحًا غير محسوم، ما يجعل الاكتشاف شاهدًا مهمًا يحتاج إلى مزيد من الدراسة.
وأشارت الدراسات المنشورة في «American Journal of Archaeology» إلى أن مجمع الكنيسة في «عين الجديدة» يمثل أحد الشواهد المبكرة المهمة لدراسة العمارة المسيحية في مصر، كما يوضح تطور استخدام المباني والممرات وإعادة تنظيم أجزاء من المستوطنة لخدمة المنشأة الدينية الجديدة.
وبذلك، لا تقتصر أهمية «عين الجديدة» على بقايا كنيسة قديمة، بل تمتد إلى كونها سجلًا عمرانيًا ودينيًا يساعد في فهم طبيعة حياة سكان واحة الداخلة، وكيف أسهم انتشار المسيحية في إعادة تشكيل البيئة المبنية خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين.
اقرأ أيضًا:
“رجل واحد استطاع صعودها”.. أسرار “صخرة العصيدة” وحكايات أهل الفرافرة – فيديو وصور