ننشر التسجيلات واعترافات المتهمين في قضية الرشوة الكبرى بـ طلخا
في ممرات ديوان عام محافظة الدقهلية، لم تكن المذكرات الرسمية التي تمر بين المكاتب مجرد أوراق إدارية لتسيير معاملات البناء، بل كانت – بحسب تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا – تذاكر دخول لـ “سوق موازٍ” أدير بحرفية شديدة، حيث يُحول “الرفض الإداري” بلمسة قلم وتوقيع وظيفي إلى “قبول وتصالح”، ولكن بشرط واحد: دفع الثمن نقداً.
على مدار أكثر من سبعة أشهر، كانت كل كلمة تُقال وكل توقيع يُكتب داخل أروقة الإدارة الهندسية بمركز ومدينة طلخا، يمر تحت مجهر هيئة الرقابة الإدارية بالدقهلية.
عمل دؤوب ورصد دقيق، جرى بالتنسيق الكامل مع المحافظ اللواء طارق مرزوق، ورئيس المدينة إسلام النجار، لتفكيك خيوط الشبكة وتوثيق أدلة المتورطين بدقة.. كل ذلك كان ينتظر فقط “ساعة الصفر”.
وفي صبيحة يوم من أيام فبراير الماضي، لم تكن الشواهد تتنبأ بأي جديد؛ الهدوء المعتاد يخيم على المكان، وتدفُّق المواطنين والموظفين ينساب بروتينه الشبه يتكرر يومياً.
لكن تحت هذا السطح الهادئ، كانت الترتيبات الأخيرة للقبض على المتهمين قد اكتملت بالفعل، وبشكل خاطف، انكسر الإيقاع الروتيني حين اقتحمت عناصر الرقابة الإدارية المبنى، لتتوقف خطوط الاتصال وتسود حالة من الشلل والمباغتة التامة، ولتكشف الستار على واحدة من أكبر قضايا الفساد والتلاعب بتراخيص البناء في محافظة الدقهلية أبطالها 7 أشخاص.
تسجيلات الرقابة الإدارية
وكشفت تحريات هيئة الرقابة الإدارية والتسجيلات المأذون بها قضائياً عن وجود شبكة متكاملة لتوزيع الأدوار؛ حيث تقاضت مديرة الإدارة الهندسية مبالغ مالية بلغت 357 ألف جنيه في واقعة و266 ألفاً في واقعة أخرى، بينما طلبت مديرة إدارة التصالح (المتهمة الرابعة) 317 ألف جنيه، وطلب مدير إدارة التنظيم (المتهم الثالث) 60 ألف جنيه، وذلك لتمرير الاعتمادات بمساعدة مهندسين أحرار ومقاولين لعبوا دور الوساطة.
وقد اعتمدت النيابة على تسجيلات صوتية ومحادثات هاتفية وثّقت تفاصيل الاتفاقات المادية، وصولاً للحظة الضبط المتلبس داخل ديوان المحافظة في شهر فبراير الماضي.
ومع تحديد يوم الثلاثاء المقبل (8 سبتمبر) موعداً لبدء محاكمة المتهمين السبعة أمام محكمة جنايات المنصورة برئاسة المستشار محمد الحنطور، تكشف أوراق القضية رقم 2783 لسنة 2026 جنايات مركز طلخا، والمقيدة برقم 3732 حصر أمن الدولة العليا، تفاصيل الاعترافات الصادمة التي أدلى بها كبار مسئولي الإدارة الهندسية وسقوطهم في قبضة هيئة الرقابة الإدارية.
اعترافات المتهمة الأولى: “المكتب الخاص” لشرعنة المخالفات
في قلب هذه الدراما القضائية، وقفت المتهمة الأولى “عزة. ا. ع. م. ع” (53 عاماً)، مديرة الإدارة الهندسية السابقة برئاسة مركز ومدينة طلخا، لتدلي باعترافات تفصيلية أمام النيابة العامة تشرح فيها آلية إدارة التراخيص بين عامي 2024 وأكتوبر 2025.
أوضحت المتهمة أن الإدارة الهندسية كانت تضم قسمين رئيسيين: قسم “التنظيم” المسؤول عن اعتماد التراخيص وتحرير المخالفات والصلاحيات، وقسم “التخطيط” المسؤول عن اعتماد الموافقات وبيانات الصلاحية، مشيرة إلى أنها كانت المختصة رسمياً باعتماد المعاينات وإصدار تراخيص البناء.
وفجّرت المتهمة المفاجأة بإقرارها امتلاك “مكتب هندسي خاص”، أدير بعيداً عن أعين الرقابة، واضطلعت من خلاله بإعداد ملفات تظلم على طلبات التراخيص التي سبق وأن رفضتها بنفسها بصفتها الوظيفية، وذلك مقابل تقاضي مبالغ مالية.
وأوضحت خط سير “شرعنة المخالفة”؛ حيث كان صاحب الشأن يقدم ملف التظلم المعد بمكتبها الخاص إلى المركز التكنولوجي، ليرسل إلى قسم التخطيط الخاضع لرئاستها، فتقوم بإعداد مذكرة اعتماد التظلم والتوقيع عليها بصفتها الرسمية لتسهيل استصدار الترخيص، مؤكدة وجود تعاملات مالية مباشرة مع بقية المتهمين لتسهيل تلك الملفات.
اعترافات المتهم الثاني: 50 ألف جنيه لـ”فك تحفظ” مواد البناء
لم تتوقف الاعترافات عند حدود مكتب مديرة الإدارة، بل امتدت إلى نائب رئيس المدينة السابق؛ حيث أدلى المتهم الثاني “أحمد. م. إ. ع” (52 عاماً)، نائب رئيس مركز ومدينة طلخا سابقاً، باعترافات صريحة أمام نيابة أمن الدولة العليا تناولت طبيعة دوره وسلطاته التنفيذية.
وأقر المتهم الثاني بأنه شغل منصبه حتى أكتوبر 2025، وكانت اختصاصاته تشمل الإشراف المباشر على الإدارات الخدمية، واعتماد موافقات تراخيص البناء وطلبات التصالح، واعترف صراحة بطلبه وتقاضيه مبالغ مالية على سبيل الرشوة من المتهم السادس “عمرو. ع. ا. ب” (مهندس مدني حر)، كان بينها مبلغ 50 ألف جنيه مقابل استخدام نفوذه الوظيفي للإفراج عن ضبطيات ومواد بناء كان قد جرى التحفظ عليها رسمياً من قبل أجهزة الوحدة المحلية بطلخا.
المتهم الثالث: أقِرُّ بمسئولياتي الوظيفية.. وأُنكر الرشوة
في أقواله المدونة بأمر الإحالة، قرر المتهم الثالث “أحمد. ج. ع. م” أنه شغل منصب مدير التنظيم والمشروعات حتى شهر أكتوبر 2025، قبل نقله إلى محطة تعبئة الغاز المسال.
وأقر المتهم باختصاصه الوظيفي المباشر بمراجعة ملفات تراخيص البناء والتصالحات على المباني واعتمادها رسمياً، إلا أنه نفى خلال التحقيقات تقاضيه أي مبالغ مالية على سبيل الرشوة مقابل تسهيل استصدار التراخيص أو الموافقة على طلبات التصالح.
المتهمة الرابعة: جمعت بين العمل الحكومي والمكتب الخاص
من جانبها، كشفت المتهمة الرابعة “لميس. م. م. خ”، مهندسة بقسم التصالحات، أنها تعمل بالوحدات المحلية بالدقهلية منذ فبراير 2019، وشغلت موقعها بمركز ومدينة طلخا منذ مارس 2025 ورأست إحدى لجان البت في مخالفات البناء.
وأقرت المتهمة باختصاصها بفحص طلبات التصالح لبيان مدى استيفائها للشروط القانونية، مفجرة مفاجأة بأنها كانت تعمل بالتوازي داخل المكتب الهندسي الخاص بالمتهمين الخامس والسادس (خلال الفترة من أكتوبر 2023 وحتى يناير 2025) لإعداد الرسومات الهندسية وملفات التصالح.
وأشارت إلى أن المتهمين كانا المداومين على الاتصال بها هاتفياً أثناء عملها بالوحدة المحلية للاستفسار عن موقف ملفات التصالح الخاصة بمكتبهما وما آلت إليه من إجراءات.
المتهم السادس: دفعنا رشاوي لسرعة إنهاء الإجراءات و10 آلاف جنيه لكل عقار
في اعترافات تفصيلية أوردها أمر الإحالة، أقر المتهم السادس “عمرو. ع. ا. ب” (شريك بمكتب هندسي) بتقديمه مبالغ مالية على “سبيل الرشوة” للمتهمين الأولى والثاني والرابعة لإنهاء تراخيص البناء وملفات التصالح الخاصة بمكتبه.
وأوضح أنه قدم مبالغ مالية للمتهمة الأولى “عزة” (مديرة الإدارة الهندسية سابقاً)، والمتهم الثاني “أحمد” (نائب رئيس المدينة السابق)، مقابل التغاضي عن العقبات وسرعة إنهاء التراخيص، بالإضافة إلى تقديم رشوة للمتهمة الرابعة “لميس” للموافقة على طلبات التصالح.
وفصَّل المتهم في التحقيقات موضحاً أنه في غضون عام 2025، طلبت منه المتهمة الأولى مبالغ مالية تسعيرتها 10 آلاف جنيه عن كل ملف خاص بالعقارات الواقعة داخل الحيز العمراني لمدينة طلخا، مقابل استصدار التراخيص وتمرير التصالحات.
ووفقاً لأمر الإحالة الصادر عن نيابة أمن الدولة العليا، ثبت تقديم المتهمين الخامس والسادس مبالغ مالية على سبيل الرشوة لموظفين عموميين (المتهمين من الأول حتى الرابع) لأداء أعمال وظائفهم، فيما أقر المتهم السابع بتقديم رشوة لموظفين عموميين لتسهيل استخراج تراخيص البناء وتمرير طلبات التصالح بالمخالفة للقانون.
اقرأ أيضا:
بعد 7 أشهر مراقبة.. حبس نائب رئيس مدينة طلخا و6 آخرين لاتهامهم في”الرشوة الكبرى”