أسرار واحة باريس تكشف حكاية جيش قمبيز المفقود وكنوز الوادي الجديد – صو


على بُعد 90 كيلومترًا جنوب مدينة الخارجة، تقف واحة باريس بالوادي الجديد شاهدة على طبقات متعاقبة من التاريخ المصري، بداية من طرق القوافل القديمة والمعابد الرومانية، وصولًا إلى حكايات الجيوش المفقودة والتجارب المعمارية الفريدة.

واحة باريس

وبين عيون المياه وهدوء الصحراء، تحتفظ واحة باريس بمقومات تاريخية وطبيعية تجعلها وجهة واعدة لعشاق الآثار والسياحة البيئية والمغامرات الصحراوية.

يروي فرحات شعيرة، وكيل هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد السابق وأحد أبناء واحة باريس، أن الواحة عرفت نشاطًا تجاريًا وزراعيًا منذ عصور قديمة، مستفيدة من موقعها على امتداد مسارات القوافل بين مصر والسودان، وفي مقدمتها درب الأربعين.

وتشير العيون المائية القديمة، التي يُنسب بعضها إلى العصر الروماني، إلى أهمية المياه في استقرار السكان بالمنطقة وازدهار النشاط الزراعي.

أما اسم واحة باريس، فتحيط به روايات محلية وتفسيرات لغوية متعددة؛ إذ يعرض بهجت أحمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية السابق بالوادي الجديد، احتمالات تربط الاسم بلفظ «بارسو» بمعنى الأرض الجنوبية، أو «بر إست» بمعنى بيت إيزيس، بينما تشير رواية أخرى إلى تحول اسم «إريس» إلى صيغته الحالية.

جيش قمبيز

من أبرز الحكايات التاريخية المرتبطة بصحراء مصر الغربية قصة جيش الملك الفارسي قمبيز، الذي قيل إنه توجه بنحو 50 ألف مقاتل إلى واحة آمون بسيوة، قبل أن يختفي في عاصفة رملية ابتلعت آثاره.

وذكر بهجت أحمد إبراهيم رواية تربط المنطقة بقائد فارسي يُدعى «بيريز»، وهي رواية تحتاج إلى توثيق مستقل، فيما ترد قصة جيش قمبيز في كتابات المؤرخ الإغريقي هيرودوت.

وفي المقابل، طرح باحثون تفسيرات أخرى لمصير الجيش، ترجح تعرض القوة الفارسية للهزيمة في صراع سياسي، بدلًا من اختفائها بالكامل تحت الرمال، لتظل القصة واحدة من الألغاز التاريخية التي أثارت اهتمام المؤرخين والباحثين.

معبد دوش وقلعة رومانية وكنيسة أثرية

يمثل معبد دوش، الواقع بالقرب من واحة باريس، أحد أبرز الشواهد الأثرية على التاريخ الروماني بالمنطقة، إذ شُيّد عام 117 ميلادية في عهد الإمبراطور تراجان، وكُرّس للمعبودات إيزيس وسيرابيس وحورس، وتزين جدرانه نقوش تصور مشاهد تقديم القرابين.

ويشير الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية بالوادي الجديد، إلى قلعة دوش المبنية بالطوب اللبن والمكونة من أربعة طوابق، فضلًا عن أطلال المكس القبلي الرومانية.

كما تحتفظ المنطقة ببقايا كنيسة شمس الدين، التي يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، في شواهد تعكس تعاقب المراحل الحضارية والدينية على أرض الواحة.

عادات زواج مميزة

وفي العصور الأحدث، شهدت الواحات أحداثًا تركت أثرًا في الذاكرة الشعبية؛ إذ يربط عبد الحميد منصور، عضو مجلس الشعب الأسبق، بعض التحولات الاجتماعية بأحداث «غزو الدراويش» عام 1893.

وتشهد طوابي الدراويش الدفاعية، التي يبلغ عددها خمسًا وفق الرواية المحلية، على اهتمام السكان قديمًا بتحصين المنطقة وحمايتها.

ويصف منصور أهالي واحة باريس بأنهم أسرة مترابطة، مشيرًا إلى عائلات سلطان والمقابيل والشرايجة وأولاد منصور، وإلى وجود صلات أسرية بصعيد مصر والجزيرة العربية.

ومن التقاليد التي يذكرها تقديم الحبوب والزيت في مناسبات الزواج، واستضافة أسرة العروس أهل العريس لمدة أسبوع، فيما يضيف أشرف أحمد، أحد أبناء الواحة، أن بعض العادات القديمة كانت تقضي بإقامة العريس لدى أسرة زوجته حتى مولد طفله الأول.

وفي ستينيات القرن العشرين، أضاف المعماري حسن فتحي فصلًا جديدًا إلى تاريخ واحة باريس، بعدما صمم القرية المعروفة باسمه، معتمدًا على الخامات المحلية والقباب والأفنية التي تتلاءم مع طبيعة المناخ الصحراوي.

وأصبحت قرية حسن فتحي نموذجًا معروفًا للعمارة البيئية بالوادي الجديد، واستضافت أنشطة فنية وثقافية، كما طُرحت خطط لإعادة تأهيلها والاستفادة من قيمتها المعمارية والتراثية.

تبرز قرية حسن فتحي ضمن المقومات السياحية الواعدة بالواحة، إلى جانب معبد دوش والعيون المائية والواحات الزراعية، بما يتيح تنوعًا في التجارب السياحية بين زيارة المواقع الأثرية والاستمتاع بالطبيعة الصحراوية.
ويرى محسن عبد المنعم، مدير عام فرع هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، أن طبيعة المكان وما يمتلكه من تراث تاريخي وثقافي يتيحان فرصًا لتنمية السياحة البيئية، حال توافر الخدمات اللازمة.

وتضم واحة باريس حاليًا عددًا من المرافق الإدارية والتعليمية والصحية والخدمية، بينها المدارس والمعاهد الأزهرية ومرافق المياه والصرف الصحي ومركز للشباب ونادٍ رياضي.

وبين الحفاظ على الآثار وتطوير الخدمات، يبقى مستقبل السياحة البيئية في واحة باريس مرتبطًا بصون مواردها المحلية وتقديم تجربة سياحية مسؤولة، تجمع بين السياحة الثقافية وزيارة المعالم الطبيعية، وتحافظ في الوقت نفسه على هدوء المكان وخصوصيته.

اقرأ أيضًا:

افتتاح أول حضانة دولية في الوادي الجديد بمنهج منتسوري وشراكة يابانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *